الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
491
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
هذا هو علم الغيب ، وأما سواه فلا كما صرح به عليه السّلام بل هو كما قال عليه السّلام : " تعلَّم من ذي علم " . ويعلم من هذا الحديث وسابقه أيضا أن علم الغيب المشار إليه ، هو الذي إذا أراد اللَّه أن يعلمه لغيره وعلمه له ، فهذه الخمسة المشار إليها في الآية الشريفة بجميع خصوصيات كلّ واحد منها بحيث لا يعزب عنه جهة ولا شأن منه ، كما أشير إليه في كلامه عليه السّلام : " علمه مختص به تعالى لا يعلمه إلا هو ، إلا إذا بدا للَّه تعالى بتعليمه حججه " كما لا يخفى ، والسرّ في اختصاص بعض العلم بذاته المقدسة هو أنه ذاته علامة وهو علم كله كما في الحديث . ومن المعلوم أنه لا نهاية له تعالى بخلاف غيره ، فإنه مخلوق ذو حدود ذو نهاية ، فلا محالة دائما يختص ذاته المقدسة بعلم يخصّه ، ولا يشركه فيه أحد ، هذا بحسب الذات المقدسة ، وأما السّرّ في أنه تعالى استأثر بعض العلم لنفسه إلا إذا بدا للَّه تعالى فيعلمه لغيره هو ، إن العلم المستأثر لنفسه وإن كان في نفسه قابلا للتعليم لغيره تعالى كما يستفاد ذلك من قوله عليه السّلام : " استأثره لنفسه ، " ضرورة أن العلم الذي لا يمكن تعليمه لغيره لا يصح إطلاق الاستيثار لنفسه ، بل هو حينئذ عين ذاته كالعلم بكنه ذاته فإنه هو تعالى لا غيره ليستأثره لنفسه كما لا يخفى . وكيف كان فالعلم المستأثر لنفسه في قبال العلم الذي أظهره اللَّه تعالى لرسله ، وإنما قسم العلم بهذين القسمين فعبّر عن أحدهما بعلم الغيب وهو المستأثر لنفسه تعالى . وعن الآخر بالتعلم عن ذي علم كما علمت لمصلحة في بيان العلم تدريجا حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية والمصلحة الأزلية ، فإن نظام عالم الوجود بأمور : منها : أن يفيض عليهم العلم تدريجا لا دفعة واحدة ، كما لا يخفى على أحد لا لأجل أن يكون هناك علم لا يعلمه إلا اللَّه تعالى ، فإن هذا مضافا إلى أنه ضروري لما علمت من أن ذاته المقدسة لا يعلمها أحد ، لا فائدة حينئذ في هذا التقسيم ( أي تقسيم العلم ) إلى علم الغيب وإلى غيره ، بحيث يراد من علم الغيب ما لا يمكن